هل التخطيط يقيدك عن العمل أم أنه يجعلك أكثر انطلاقا؟

في وقتٍ سابق، لو حاولتُ أن أتخيل كم الأوراق التي رسمتُ عليها خططي الشخصية والأفكار التي أردتُ تنفيذها بالمقارنة بعدد الساعات التي عملتُ فيها من أجل تحقيق هذه الخطط، لسقطت كفة الأوراق بالميزان..! 
كان التخطيط يشغل الكثير من وقتي. أفكر كثيرًا ما الذي أريده؟ وكيف سأحصل عليه ومتى؟ والخطة بطبيعتها تحب التفاصيل، وأن يكون كل شيء واضحًا حتى يدخل دائرة التنفيذ.. ولكن للأسف دائمًا كان هناك أشياء غير واضحة، وأشياء احتارت إرادتي فيها، فما عدت أعرف، هل أريدها أم لا، وعشرات التناقضات التي جعلتني أفكر كثيرًا دون عمل. 


لذا كان من المهم، أن أتساءل:
لماذا قد تقيد الخطة الإنسان وتعطله؟
من الأهم؟ الخطة أم السعي، ولمن الأولوية ومتى؟
كيف تجعل التخطيط يعمل لصالحك، قبل أن يُلقي بوقتك في حفر الضياع؟
من خلال خمسة اكتشافات وصلتُ إليها، سنجيب على هذه الأسئلة.. مستعد؟


(1)
في عامي الأخير من المرحلة الثانوية حظيتُ بمنحة تدريبية في غاية الأهمية في مجال التدريب والإلقاء. وفي آخر أيامها بإحدى اللقاءات كان يدور حولنا سؤال وجودي متكرر "من أنت؟ وما خطتك في قادم الأيام" لا أذكر إجابات أحدهم الآن، إلا صديقًا واحدًا كان يسبقني في مجلسي، قال " لقد كتبتُ خطة 30 سنة قادمة.." هذه العبارة وحدها التي أذكرها من كلامه، لأني تهتُ بعدها في تفكيري، وأعتقد أن عمرَه حينها لم يتجاور السابعة عشر وكان أصغر مني بعامين على أقل تقدير!
لا أعرف كيف يمكن لفتى في عمره أن يجرؤ على قول شيء كهذا..

(2)
بعد الثانوية وقبل الجامعة، قررتُ أن أكتب خطتي لما هو قادم، لكني تعودت أن أتعلم قبل أن أعمل، فبحثتُ عن أفضل كتب التخطيط لأدرك فنّه، ووقعَ في يدي كتاب "كيف تخطط لحياتك" للدكتور صلاح الراشد، كان محتوى الكتاب مكثف جدًا وعملي ومقنع، واسترشدتُ بخطواته فعلاً، إلا أنه زادني حيرة وألقاني في صحراء التيه وأصبحتُ بعدها أكثر تفكيرًا.

حينما أفكر الآن، أعتقدُ أن هذا حدث بسبب فكرة وردت في الكتاب تقول "اكتب خطة 500 عام!" معتوهة من أول وهلة، ولكن مقصدها أن تفكر في أثرٍ يبقى بعد رحيلك! لست موجودًا بين الناس، ولكن أفكارك وأعمالك يعيشها الناس!
هذه الفكرة تحديدًا جعلتني أصارع نفسي، لأكتشف نفسي ولأعرف ما أريده أكثر.

كان الهدف من قراءة الكتاب، أن أكتب خطة عاجلة أتخذُ من خلالها قرارات سريعة في التعامل مع محطات حياتي القريبة القادمة، إلا أن الهدف أصبح غاية تتمثل في اكتشاف نفسي والإنصات لعالمي الداخلي، لأني أدركتُ حينها أن الخطوة الأولى هي "أن تعرف نفسك" وهي خطوة طويلة وممتعة بقدر صعوبتها.
قمتُ بتنفيذ آلية معينة تساعدني على اكتشاف نفسي.. بعد قراءات واستشارات عديدة، وهنا اكتشفتُ الاكتشاف الأول..

الاكتشاف الأول
كيف تخطط، وأنت لا تعرف ما تريده حقًا؟

خاصة أننا متقلبون، ما نريده الآن، قد نلعنه غدًا! قد تخطط الآن لأمر ما، وتحيطك طاقة لا حدّ لها لتنفيذه، وبعد مرور يومين، تجد نفسك لا تميل إليه، وغالبًا لا تعلم السبب. والسبب الأكبر في حدوث هذا، أنك لا تعرف نفسك، ما يفرحها وما يحزنها، ما يثبطها وما يثير شعلتها.. الذين يعرفون أنفسهم أكثر، يقتربون من الأسباب ويدركون تقلبات أنفسهم، ويعرفون كيف يتعاملون معها. كما أنك قد لا تعرف أيضًا قدراتك الحقيقية، فقد تحرم نفسك تجربة جديدة لأنك ترى نفسك دونها، وهو أكبر خطأ قد تسقط فيه.

النصحية هنا: "اعرف نفسك أكثر" 

هذه المهمة الدائمة، كما أنها الأصعب، ومنها ستصنع معنى حياتك. من المهم أن تدرك ذلك، لأنك لن تكتشف نفسك في يوم وليلة.

(3)
قلتُ لصديقي مرة بكل ثقة: "قد لا أعرف كل شيء، ولكني أعرف ما أريده"
ردَّ علي ببساطة شديدة: لو عرفت ما لا تعرف، قد تغير ما تريد!
وحلّ علي الصمت بعدها.


الاكتشاف الثاني
نحن لاندرك كل شيء، فكيف ستتعامل إذا ما اكتشفت شيئًا جديدًا يهمك؟

فإدراك شيء جديد بسيط، قد يجبرك على قلب خطتك رأسًا على عقب.
لذلك عندما تبني خطة وتتصور أنك تضع يدك على كل شيء وتظن أن الأمر برمتّه تحت السيطرة، فأنت مخطئ تمامًا. اللعبة أكبر. ومن يتفاعل مع الحياة، يكاد يكتشف كل يوم شيئَا جديدًا، وبالتالي يكون أكثر عرضة للتغيير والتبديل.

النصيحة هنا: كن مرنًا، ولا ترتدي خططًا ضيقة

الحقيقة، أنك إذا لم تكن تكتشف أشياء جديدة طوال الوقت، فأنت في ورطة، لأنك بهذه الطريقة أعمى لا ترى، وتائه لا تسير على نحوٍ صحيح.. لذا لا تضيّق على نفسك بخطط شديدة التفاصيل، عليك أن تمسك بخطوطك العريضة وتلتزم بسعيك، وتدع الرحلة تريك الحياة وما فيها.. 


الاكتشاف الثالث
وتيرة الحياة أصحبت أسرع.. هل في كل مرة ستسطيع أن تختبئ حتى تخطط؟

لن يكون متاحًا لك في كل وقت أن تكتب خطة، وستحتاج كثيرًا أن تأخذ قرارتك بشكل أسرع. وبالتالي عليك إدراك أن الغموض جزء من الحياة، وأن المرونة جزء أصيل في التعامل مع الخطط.

النصيحة هنا: قلل طقوسك في التخطيط، 
قدر الإمكان، وطوّر مهاراتك في اتخاذ القرار.
أذكرُ لحظات كثيرة، لم أستطع أن أختبئ ولو لثوان قليلة حتى أفكر أكثر فيما سأفعل، لإنه كان عليّ أن أقرر الآن وبسرعة.. فكنتُ أقول لنفسي بعد كل مرة، لو أن لديّ طريقة ما تجعلني أحسب الأرباح والخسائر بسرعة، وأقرر مباشرة، حتمًا ستنقذني.


الاكتشاف الرابع
مع كل التحديات السابقة.. هل ستستطيع أن تحافظ على تركيزك في تحقيق ما تريد؟


إذا كنت لا تعرف نفسك جيدًا، ولا تدرك كل شيء حولك، وتتفاعل مع مسائل الحياة وتتبين لك تفاصيل لم تكن تعلمها، فتعيد التفكير بشأنها، خاصة إذا كانت تفتح لك أبوابًا جديدة أمامك، مع سرعة وتيرة الحياة.. تراكم هذه العناصر معًا، يجعلك تمزق كل خططك، لتفكر بطريق جديد ينقذك لتسلك الاتجاه الصحيح! وأكثر ما يراه أساتذة التخطيط أمرًا مهمًا هو "أن تركز" الذي يريد أن يفعل كل شيء لن يفعل أي شيء.

النصيحة هنا: لا تجعل انغماسك بالتفاصيل وانشغالك بالتغيرات المستمرة، أن يضيع تركيزك على خطوطك العريضة..
احتفظ بأهدافك الكبيرة دائمًا في مذكرة خاصة، ولو استطعت أن تجعلها بقربك دائمًا سيكون أمرًا مفيدًا يحميك من التيه المتكرر.

(4)
يحدثني صديقي بانزعاج شديد بعدما لاحظ أن كل شيء ينوي فعله ويخطط له ويخبر الناس عنه، يتعثّر فيه ولا يكمله. صديقي ليس بمفرده، كثيرًا ما تطرقت نقاشاتنا حول هذه الملاحظة. يعتقد البعض أن المشكلة في الناس، وأنا أعتقد أن المشكلة في الشخص ذاته أكبر من أن تكون في الناس... كيف؟


الاكتشاف الخامس 

كل شيء تنوي فعله، يحمل "هالة" معينة، تجعلك مثارًا تجاهه.. هل تعرف ما الذي يطفئ هذه الهالة؟

تتلاشى هذه الهالة في حالتين: إما أن يتم الشيء الذي تريد فعله، وتحل هالة الفرحة والإنجاز، أو تتبدد هذه الهالة بالحديث الكثير عما تريد فعله، فيجعلك تشعر بحلاوة الإنجاز قبل أن يحدث بالأساس! خاصة إذا كنت تطلق لخيالك العنان، فقد تسرح بعيدًا وراء ما قد يحدث لما تخطط له، فتتشبع حاجتك النفسية وتُروى بسراب ماء.
لذلك كانوا يقولون "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"
النصيحة هنا: في المرة القادمة سيكون من الأفضل أن تجعل أهدافك سرية.. لتحفظ قيمتها.

هذه الاكتشافات الخمسة عرفتها بعد عشرات المرات التي مارستُ فيها التخطيط. وأصبحتُ أضعها في اعتباري وأعطيها قدرها. 
ولكن ليست هذه النهاية، لأنني لاحظتُ شيئًا آخر أكثر أهمية، غيّر كل شيء بالنسبة لي..

لاحظت أن مجموعة ممن أعرفهم لديهم نهجٌ آخر.. سأخبركم عنه:
لا يشغلهم التخطيط، لا يقضون وقتًا طويلا للتفكير في قادم الأيام، ولكنهم يعملون، لا يتركون فرصة إلا وقد استثمروها، ولا يجدون بابًا إلا وقد طرقوه، لم يتركوا مهارة أو معرفة شعروا بحاجتها إلا وحاولوا تعلمها. الحقيقة أنهم لا يخططون، ولكنهم يصنعون مستقبلهم باستثمارهم هذه اللحظات.. فما تفعله الآن، هو ما يخبرك بشيء مما ستكون عليه غدًا، كتراكم طبيعي، وهم يفعلون الأشياء هكذا بسلاسة، كما تُملي عليهم قلوبهم!



ومن جانب آخر، للجوكر مقولة عبقرية في فيلم " "The Dark Knight

"هل أبدو لك كرجل لديه خطّة؟ هل تعلم من أنا؟ أنا عميل الفوضى، أنا فقط أعمل الأشياء بعفوية دون سابق تخطيط. الشرطة لديها خطط، الحكومة لديها خطط، أنا أحاول فقط أن أثبت للمخططين كم هي مثيرة للشفقة محاولاتهم للتحكم بالعالم"


ولمحةٌ أخرى:
"التخطيط مهم للغاية، لكنه أحيانًا معطل. ابدأ، في بعض معارك الحياة يكون كل ما عليك أن تبدأ، وأن تصلح من مسارك وأنت تسير، لا تنتظر دعمًا من أحد، ولا معطيات مثالية، المسألة ببساطة هكذا، الحلم مثل الحب، لا ينتظر تأجيلًا ولا تسويفًا" أسعد طه
من مقال في غاية الجمال بعنوان " كيف نصل ونحن لم نبدأ؟ " يمكنك قراءته من هنا.


إذًا دعنا نضع قاعدة بسيطة ومهمة: 

- السعي أولاً وقبل أي شيء.
إذا كنت تخطط وتفكر لكن دون عمل، فخطتك حتمًا بلا قيمة!
اقلق على نفسك بشدة، حينما تُحرم السعي وطرق الأبواب.


(5)
أحد الأصدقاء العاملين في مجال الإعلام، جمعنا به طريق سفر، وسرد لنا تجارب سعيه في عمله، وقال إن معيار رضاه عن يومه يتوقف على مدى شعوره بالتعب حينما يضع رأسه على وسادة النوم. ببساطة يحاول كل يوم ألا ينام إلا بعد سعي طويل.

أسئلة وملاحظات أخرى قد تهمك..

- متى يكون للحظات التخطيط أهمية في نظري؟

حينما تشعر بشيء من ضياع بوصلتك الشخصية إذا كنتَ قد ضبطتها، أو عند اختيارك بين مجموعة بدائل في غاية الأهمية، وعند القرارات المحورية، هنا عليك أن تخطط وتفكر لتأخذ قرارًا وتنطلق فيه، وليس لتسقط في حفر الحيرة والتردد.

أنت مسئول عن خياراتك.
يقولون " قبل أن تصعد السلم، عليك أن تتأكد أنه في المكان الصحيح" هذا صحيح، ولكن لا تجعل هذا التأكد يصبح حيرةً كبرى فتظل واقفًا ليس أكثر. تأكد ثم تحرك واصعد وافعل كل ما تستطيع.. كل تجربة تفيدك وإن كان من حيث لا تعلم. لا تخشَ أي تجربة جديدة فأنت لا تعلم ما قد تمنحك إياه!


فيما يفيدك التخطيط أصلاً؟
التخطيط يساعدك في إدراك كل إمكانياتك لاستثمارها، والاستعداد قبل خوض المعركة، ويجعلك ترى ما لا يراه الآخرون. ففي الوقت الذي يبدأ الناس التفكير في "ماذا نريد" تكون أنت قد تجاوزت ذلك إلى التفكير في "أي الفرص أفضل لي؟" وقد ترى فرصًا لا يراها أحد غيرك لأنك أكثر استعدادًا ليس أكثر..

وعن نفسي..

لم أعد أخطط لسنوات قادمة، كل ما أفعله أنني أحدد أهدافًا ورغباتٍ كبيرة، أرى أنني أود تحقيقها، أدوّنها وأجعلها في ملف خاص أعودُ إليه متى ما أردت لأعدل وأصوّب، ثم أمضي في حياتي وأعيشُ كل يوم بيومه تارة، وتارة أخرى أقسم أيامي لفترات معينة تحمل أهدافًا محددة أود تحقيقها بشكل عاجل وهام. وعادة ما أتساءل بسؤال العبقري ستيف جوبز "لو كان هذا آخر يوم في حياتي، ماذا سأفعل ؟ " الموتُ هنا ملهم لأنه سيرتب أولوياتك أكثر، ويجعلك تستمتع بكل شيء.. ولن تضيع لحظة بلا شيء مفيد!


قد سألتُ ذات السؤال، مرة على صفحتي بالفيس بوك، وفاجأتني إجابة ملهمة كانت من أستاذي د. محمد سعيد محفوظ، قال فيها "سأفعل ما أفعله كل يوم" .. الأمر الذي يجعلك تندهش من حسن ترتيب الأولويات والأهداف إلى هذه الدرجة!

خلاصة..


- اجتهد دائمًا أكثر مما تخطط، الخطة تصوّب اجتهادك لا تعطله.
الذي يخطط كثيرًا يتوهم أحيانًا أنه مجتهد، ولكنه ليس سوى شخص يعيش على عرش خيالاته.


- اعمل بذكاء، أن تركز على تحقيق ما تريد شيئًا تلو الآخر وليس بالتوازي قدر المستطاع، ولا تشغل نفسك بما لا تريد.

مثال: قل "أنا أريد الفوز في المباراة" ولا تقل "لا أريد أن أخسر المباراة" لأن الفوز هو ما تريده، الخسارة هي ما لا تريده. اشغل نفسك بتحقيق الانتصار وليس الهروب من الفشل
- داوم على اكتشاف نفسك في كل شيء، واكتب ذلك في دفتر خاص، بعد مدة ستقرأ نفسك بشكل أفضل.

- اقبل طبيعة الحياة وخذها على ما هي عليه بغموضها وسحرها، هناك من يرى في هذا الغموض شغف، وهناك من يراه ارتباك الحياة!

- احصل على فترات قليلة بشكل مستمر تخلو فيها بنفسك، لتقيّم مواقفك أكثر وتتعلم من أخطائك.
- أنصت لصوت قلبك، حينما تشعر بالتيه والتردد، ودعمه ببعض الحسابات العقلية، وانطلق.


في النهاية:

"مهما كـان عدد الأخطاء التي وقعت فيها.. مهما كان تقدمك بطيـئا، فأنت تـسبق من لا يحاولون فعل أي شيء"
سأكون سعيدًا لو شاركتني تجربتك وأفكارك الخاصة حول التخطيط..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندي الآن 23 سنة.. وهذا ما أتمناه من الحياة إذا ما بلغتُ الثلاثين!

لا تنتظر أحدًا.. 8 خطوات إرشادية لتعلم نفسك بنفسك

هل عملك يطوّرك أم يستهلكك.. كيف تعرف الفرق؟